عبد القاهر الجرجاني

12

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

لأنَّ الشعراءَ في كلَّ عصرٍ وزمانٍ معدودون ، والعامَّة ومَنْ لا يقولُ الشعرَ منَ الخاصَّةِ عديدة الرَّمل ، ونحنُ نَعْلم أنْ لو كانَ منثورُ الكلام يُجمعُ كما يُجْمَع المنظومُ ، ثم عمدَ عامدٌ فجمعَ ما قيلَ من جنْس الهَزْل والسُّخف نثراً في عصرٍ واحدٍ ، لأَرْبى على جَميعِ ما قاله الشعراءُ نَظْماً في الأزمانِ الكثيرةِ 1 ، ولغَمره حتى لا يظهرَ فيه . ثم إِنك لو لم تَرْو من هذا الضربِ شيئاً قطُّ ، ولم تَحْفَظْ إلاَّ الجِدَّ المحضَ ، وإلاَّ ما لا مَعابَ عليكَ في روايته ، وفي المحاضرةِ به ، وفي نَسْخه وتَدوينهِ ، لَكانَ في ذلك غِنًى ومندوحةٌ ، ولوَجدْتَ طِلْبتَك ونِلْتَ مُرادك ، وحصَل لك ما نحنُ ندعوكَ إِليه من عِلمِ الفصاحةِ ، فاخترْ لنفسكَ ، ودَعْ ما تَكْره إِلى ما تُحب . 11 - هذا ، وراوي الشَّعر حاكٍ ، وليس على الحاكي عَيبٌ ، ولا عليه تَبعةٌ ، إِذا هوَ لم يَقصدْ بحكايتهِ أن يَنْصر باطلاً ، أو يَسُوء مسْلِماً ، وقد حكى اللهُ تعالى كلامَ الكفار ، فانظرْ إِلى الغرضِ الذي له رُويَ الشعرُ ، ومِن أَجْلهِ أُريد ، وله دُوِّن ، تَعلمْ أنك قد زُغْت عن المنهج ، وأنك مُسيءٌ في هذه العداوة ، وهو العصبيّةِ منكَ على الشَّعر 2 . وقد استشهدَ العلماءُ لغريبِ القرآنِ وإِعرابهِ بالأبياتِ فيها الفحشُ ، وفيها ذكْرُ الفعلِ القبيحِ ، ثم لم يَعِبْهم ذلك ، إذا كانوا لم يَقصدوا إِلى ذلك الفُحشِ ولم يريدوه ، ولم يرووا الشعر من أجله .

--> 1 " نظمًا " سقطت من ناسخ " ج " . 2 في المطبوعة : " وهي العصبية " .